الشنقيطي

450

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فقد رأيت أقوال العلماء في هذه الآية ، وما يشهد لها من قرآن . وقوله بعد هذا : فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن الإمام في هذه الآية كتاب الأعمال . وذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يقرؤونه ولا يظلمون فتيلا . وقد أوضح هذا في مواضع أخر ، كقوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) - إلى قوله - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) [ الحاقة : 19 - 25 ] وقد قدمنا هذا مستوفى في أول هذه السورة الكريمة . وقول من قال : إن المراد « بإمامهم » كمحمد بن كعب « أمهاتهم » أي يقال : يا فلان ابن فلانة - قول باطل بلا شك . وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعا : « يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان بن فلان » « 1 » . قوله تعالى : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) [ 72 ] . المراد بالعمى في هذه الآية الكريمة : عمى القلب لا عمى العين . ويدل لهذا قوله تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( 46 ) [ الحج : 46 ] لأن عمى العين مع إبصار القلب لا يضر ، بخلاف العكس ؛ فإن أعمى العين يتذكر فتنفعه الذكر ببصيرة قلبه ، قال تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) [ عبس : 1 - 4 ] . إذا بصر القلب المروءة والتقى * فإن عمى العينين ليس يضير وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما لما عمي في آخر عمره - كما روي عنه من وجوه - كما ذكره ابن عبد البر وغيره : إن يأخذ اللّه من عيني نورهما * ففي لساني وقلبي منهما نور قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل * وفي فمي صارم كالسيف مأثور وقوله في هذه الآية الكريمة : فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ( 72 ) قال بعض أهل العلم : ليست الصيغة صيغة تفضيل ، بل المعنى فهو لآخرة أعمى كذلك لا يهتد إلى نفع ؛ وبهذا جزم الزمخشري . قال مقيده عفا اللّه عنه : الذي يتبادر إلى الذهن أن لفظة « أعمى » الثانية صيغة تفضيل ؛ أي هو أشد عمى في الآخرة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب حديث 6177 ، ومسلم في الجهاد والسير حديث 10 .